السيد كمال الحيدري

119

الدعاء إشراقاته ومعطياته

به » « 1 » ، والخرق بالضم : هو الحُمق والجهل ، أي لا ينسب إليه الحمق ، ولا يُسفّهه ، ولا يظلمه ، أو يحمل عليه ما لا يطيقه . وأمّا الدرس الثاني فهو حُسن خُلق الولد ، ومُراعاته لحقوق الوالدين ، حيث يجب على أولادنا المؤمنين أن يكونوا على هذه الشاكلة ، وهذا الخلق الرفيع ، ولا ريب بأنَّ هذه الأخلاق النبوية لا تنزل على رؤوس الأولاد كما ينزل المطر ، وإنما تحتاج إلى حرثٍ وغرسٍ وسقيٍ ، ورعاية وصبر ودعاء . من هنا ينبغي التنبيه إلى أهمّية الدعاء للولد والذرّية بالصلاح والنجاح والفلاح ، فليس من المناسب من الآباء أن يَدْعُوا على أبنائهم بعدم التوفيق ، لمجرّد موقف سلبيّ صدر من الأبناء تجاههم ، فذلك من سوء الخُلق ، وقلَّة التوفيق ، ثُمَّ إنّه يُوجِد في قلب الولد دواعي البغض لأبيه ، ويُسقط في نفسه قدوتَه الأُولى ومَثَلَه الأعلى ، ومن ثَمَّ ينتهي الولد إلى أسوأ حالات السقوط ، وهي العقوق ، وقد جاء في وصيّة للنبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) : « . . . لعن الله والدين حملا ولدهما على عقوقهما » « 2 » . هذا ما حاولنا أن نستفيده من هذه القصّة التربوية النافعة ، وكم لها من مثيل في متون الكتب ، وفي سِيَر الناس ، وفي ذاكرة الزمان « 3 » .

--> ( 1 ) فروع الكافي ، للشيخ المحدّث الثقة الكليني ، تحقيق : علي أكبر الغفاري ، دار الكتب الإسلامية ، ط 4 ، 1996 م ، قم المقدّسة : ج 6 ، ص 50 ، الحديث : 6 . ( 2 ) وسائل الشيعة ، مصدر سابق : ج 15 ، ص 123 ، الحديث : 4 . ( 3 ) من القصص الجميلة والمؤثّرة التي طالعتها في هذا المجال قصّة تدور حول فتى صغير كان في غاية الضعف والبؤس وضيق الحال ، كان يذهب ويسعي لِيُساعد والده ، فإذا جاء بأجرة يومه وضعها على المنضدة وذلك استحياء من أن يمدَّها بيده لأبيه فتكون منَّة على أبيه . يقول الفتى : فكنت كلّما أضع المال بين يديه يدعو الله ويقول : اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله ، ثم مضى أكثر من عشرين عاماً وأنا تائه في الأعمال ، حتى شاء الله يوماً من الأيّام ، وأنا راجع من عملي ، إذا بي ألتقي بعالم جليل ، فقال لي : ما الذي أنت فيه ؟ فقلت : ما ترى أسعى بالرزق . فقال لي : هل لك أن تجعل لي يوماً من أُسبوعك ؟ فأجبته : نعم ، ونعمت عيني ، فما زال يتردَّد عليَّ حتى جاء اليوم الذي ناقشت فيه رسالة الدكتوراه في تفسير القرآن الكريم ، فلما دعيتُ للمناقشة وجلستُ إذا بشيخي وأستاذي يقوم مهابة لي وإجلالًا لما كان لي من العلم . فقلتُ : تفضّل يا شيخي وأُستاذي ، وإذا به يقف أمام الجمع ويقول : هالني ما رأيت فيك من العلم والمعرفة بكتاب الله فعظّمتك وأجللتك ، وعندئذ جلست وبكيتُ ، فقال الشيخ : تبكي ونحن نريد أن نجلّك ؟ فقلتُ : تذكّرتُ دعوة أبي رحمه الله ، حيث كان يقول : اللهم ارزق ابني القرآن واجعله من أهله . فبلّغني الله هذه المنزلة .